مجلة «ثابت فكر» (Sabitfikir)
تحدثنا مع محمد حقي سوتشين، الذي نعرفه كاتباً ومترجماً وأكاديمياً، منطلقين من الكلمات، عن أشياء كثيرة: من الكتب التي لامست حياته إلى القصائد، وصولاً إلى ما تعنيه الترجمة بالنسبة إليه. يقول سوتشين: «في فترة الحجر الصحي ترجمتُ المعلقات السبع. وكانت إعادة خلق هذه النصوص في التركية، وهي نصوص يجد حتى العرب اليوم صعوبة في فهمها، تجربة مختلفة بالنسبة إليّ».
أنا منشغل بالكلمات منذ وعيتُ على نفسي. واكتشفتُ في المرحلة الابتدائية أنني أحب الانشغال بالكلمات. كنت طفلاً مرحاً، وكانت معظم دعاباتي قائمة على التلاعب بالألفاظ. وأحياناً كان تلاعبي بالألفاظ غير مباشر إلى حدّ أنني كنت أضطر إلى شرحه، وعندها طبعاً لا يبقى من النكتة شيء. لكن الكلمة بالنسبة إليّ ليست لعباً فحسب بالطبع. فالكلمة من مقتضيات كون الإنسان إنساناً، وهي شيء يخصّ الإنسان. يبدأ إنجيل يوحنا بعبارة «في البدء كان الكلمة». وفي القرآن الكريم تُستعمل «الكلمة» بمعانٍ كثيرة، منها كلام الله، والقرآن، ووعد الله، والحكمة، والدين، والبشارة، والحجة، والحكم، والوحي. أي إن الكلمة سرّ يمكن بسطه كثيراً، سرّ متعدد الأبعاد إن جاز التعبير.
درستُ المرحلة الابتدائية في قرية نائية من قرى بلدتي. وكثيراً ما كان الجزء الأكبر من العام الدراسي يمرّ من دون معلم. لذلك لم أتعرّف إلى الكتاب بالمعنى الحقيقي في سنوات الابتدائية؛ فقد اقتصرت معرفتي بالكتب على بضعة كتب مدرسية. ثم ذهبت إلى المدينة لأواصل الدراسة في مدرسة «إمام خطيب». وتعرّفي إلى الكتب خارج المقررات يعود إلى تلك السنوات. أذكر أنني قرأت في مكتبة المدرسة قصص عمر سيف الدين، و«الفيل حمدي» لعزيز نسين. وقد أحببت هذا الكتاب حتى إنني قرأته مرتين أو ثلاثاً. لكن قراءاتي الأدبية في المرحلة الإعدادية لم تدم طويلاً. ففي زمننا كانت قراءة الأدب التخييلي تُستصغر، وتُعدّ مضيعة للوقت. كنا نقرأ بالأحرى سيد قطب والمودودي ومحمد قطب، وفي مرحلة لاحقة علي شريعتي. ولم نكن نكتفي بذلك؛ بل كنا نقرأ كتباً فكرية غير عميقة كثيراً تقارن بين الإسلام والاشتراكية والرأسمالية. أما قراءاتي، وإن كانت قليلة، لحسن حنفي والجابري فجاءت في مرحلة لاحقة.
وحين أنظر الآن إلى الوراء ألاحظ أن اهتمامي بالأدب ظلّ حيّاً دائماً وأنا أقرأ كتب «الفكر» تلك. ففي سنوات الثانوية قرأتُ «عناقيد الغضب» لشتاينبك، و«وداعاً للسلاح» لهمنغواي مرات عدة. وكانت عيناي تغرورقان بالدموع في كل قراءة لـ«عناقيد الغضب».
ليس لديّ هوس بكاتب أو كتاب. فكما لا يوجد كاتب بلا عيب، يبدو لي أنه لا يوجد كتاب بلا عيب أيضاً. لذلك أظن أنني قارئ حرّ الفكر إلى أبعد حدّ، حرّ القراءة. لكن يحدث أن أقرأ نصاً أحبه مرات كثيرة. وأظن أن هذا مرتبط بتكاثر المعنى الذي نخلقه، بوصفنا قرّاء، مع النص. فكلما كثّرنا المعنى أعدنا خلق النص، واستطعنا أن نقرأ النص الذي قرأناه من قبل مرة أخرى كأنه نص جديد. أو نكتشف في النص نفسه معاني جديدة. وأظن أننا نعيش هذا خصوصاً حين نقرأ قصيدة جيدة.
قبل أن أبدأ ترجمة عمل ما، أحاول أن أنشئ صلة بهذا العمل. فإذا تكوّنت هذه الصلة لم أعد أستطيع أن أوقف وحش الترجمة الذي في داخلي. وأتلهّف لبدء الترجمة في أسرع وقت. ومع ذلك أتمالك نفسي، وأحاول أن أتوقع الصعوبات المحتملة في النص الذي سأترجمه. وأدوّن ملاحظاتي على النص. وإن كنت لا أعرف كاتب النص الذي أترجمه، فلا بد أن أتصفح كتبه الأخرى، وأمرّ بنظري على ما كُتب عنه. ثم تأتي مرحلة الترجمة. وتمضي هذه العملية بحسب الكتاب، سريعة أحياناً وبطيئة أحياناً أخرى. وحين تنتهي الترجمة أقرؤها بنفسي مرة أو مرتين. وأنظر هل نقلتُ النص الذي ترجمته إلى اللغة التي ترجمت إليها نقلاً صحيحاً. أشعر بأنني كالرسول بين اللغة المصدر واللغة الهدف. وأشعر كأن رأس الرسول سيُقطع إن لم تُنقل الرسالة نقلاً صحيحاً، فيعتريني القلق. ثم أحاول، إن أمكن، أن أعطي الترجمة لمن يفهم في الأدب ليقرأها. وأنا محظوظ في هذا الأمر؛ ففي البيت شاعرة: ألتشين سفغي سوتشين. نحن، أنا وزوجتي، القارئان الأوّلان أحدنا للآخر. ولهذا نرسل إلى دور النشر في الغالب نصوصاً «نظيفة».
الاشتغال بالعربية عمل صعب في حد ذاته. فلا ترضي عيسى ولا موسى. بعضهم يمطّ شفتيه قائلاً: «وهل للعرب أدب؟»، وبعضهم ينتظر منك دائماً أن تترجم نصوصاً «معقّمة» محورها الأخلاق. أي إن بعضهم يضع مسافة بينه وبين الأدب العربي بمقاربات نخبوية، وبعضهم يتعامل بأحكام مسبقة بذرائع من قبيل أن هذا المقطع صار إيروتيكياً، وأن ذاك لا تحتمله جماعتنا. والحال أنني أرى أن أي مقاربة تضع حدوداً للعقل، يميناً كانت أو يساراً، لا تنفع الأدب. ففي مثل هذا الجو لا يمكن للأدب أن يتطور. ورغم كل هذه الأحكام المسبقة يسرّني أن أرى في السنوات الأخيرة اهتمام ناشرين من كل الاتجاهات بالأدب العربي. ولا شك في أن للترجمات الناجحة من العربية نصيباً كبيراً في هذا التحول.
ومشكلات الترجمة بين التركية والعربية، خلافاً لما يُظن، أكثر منها مقارنة باللغات الغربية. فهناك مشكلات ناجمة عن بنية العربية، وأخرى ناجمة عن الفروق بين التركية والعربية. ولأوضّح قليلاً: من الناحية الإملائية لا تُستعمل الحركات في الكتابات العربية خارج النصوص الدينية. وهذا يجرّ معه صعوبات قراءة كبيرة لمن يتعلم العربية لغةً أجنبية. والنص الذي لا تستطيع قراءته قراءة صحيحة لا تستطيع فهمه فهماً صحيحاً أيضاً. والمسألة الثانية أن العربية لغة «مزدوجة». فالعربية الفصحى تعيش متداخلة مع كثير من اللهجات العربية. وكثير ممن يتعلمون العربية في تركيا إما ينكرون هذه الخاصية اللسانية الاجتماعية للعربية أو يتجاهلونها. وفي المؤسسات التي تعلّم العربية إما أن تعليم اللهجات غير مدمج في البرامج أو أنه ضعيف. وهذا يؤخّر تلقّي المترجم المرشّح للعناصر المحلية والثقافية في اللغة التي تعلّمها.
أنظر إلى الأدب العربي، وهو مجال عملي الأكاديمي، بوصفه كلاً واحداً بقديمه وحديثه. فالنص الجيد لا يشيخ. وكل قارئ، جديداً كان النص أو قديماً، يتلقاه بقدر مخزونه الفكري والجمالي وإحساسه. ثم إن الجديد والقديم في تفاعل وثيق. فمثلاً «طوق الحمامة» لابن حزم و«كتاب الحب» لمحمد بنيس مترابطان جداً. ومن يقرأ ابن حزم يستطيع النفاذ إلى نص بنيس أكثر. وكذلك لا تستطيع أن تنفذ إلى نصوص أدونيس ومحمود درويش ونزار قباني كما ينبغي من دون معرفة بالشعر العربي الكلاسيكي. وحين ألتقط هذا المدّ والجزر بين النصوص أشعر، قبل كل شيء بوصفي قارئاً، بالمتعة والإثارة.
يرى أوكتافيو باث أنه لا يوجد نص أصلي، فكل نص منقول عن نصوص أخرى. ومن ثمّ فكل ما نكتبه ونقرؤه ترجمة. وما نسميه ترجمة هو أصلاً ترجمة لترجمة أخرى هي نفسها ترجمة. وهذه المقاربة ترفع مترجم الأدب من موقع الناسخ إلى موقع الكاتب. فالمترجم بهذا المعنى ربما يكون «كاتب الظل». ولا يقتصر الأمر على كونه كاتباً، بل هو في الوقت نفسه قارئ ناقد، ومحرّر نصّه هو قبل أي محرّر حقيقي. وإبداع المترجم يرافق الكاتب الأصلي طوال هذه المراحل كلها، لكن إبداعه محدود بإبداع الكاتب. وهنا بالضبط يفترق عن الكاتب الأصلي.
أفضّل وأنا أكتب وأترجم أن أستمع إلى أصوات الطبيعة، كصوت الشلال وأصوات الطيور وأمواج البحر؛ فهي تتيح لي التركيز على الكتابة أكثر. وأحب الموسيقى الأصيلة من كل أنحاء العالم. قبل سنوات ذهبنا إلى أربيل باسم رئاسة أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى لاختيار الطلاب الحاصلين على المنح. واكتشفتُ هناك فرقة اسمها «لي دينيه» (Li Dinê). وطالما أحببت كثيراً الموسيقى التي تمزج المحلي بالعالمي مثل الموسيقى التي يقدمونها. كما أحب كثيراً موسيقى الراي المنتشرة في بلدان المغرب العربي، والموسيقى التي تحمل عناصر محلية مثل القوّالي لنصرت فاتح علي خان، وأستمع إليها. وتستهويني كذلك أنواع مثل «النيو إيج» والكانتري والجاز. لكنني لست متشدداً في أنواع الموسيقى الأخرى أيضاً؛ أستمع إلى الموسيقى التي تطرب لها أذني.
لو لخّصتُ حياتي بأبيات أحبها لكانت هذه:
Sen ey şiir sevmeyen,
Güzel olmayacak ölümün.
(أدونيس، «احتفاءً بالأشياء الغامضة الواضحة»، بترجمتي التركية)
في فترة الحجر الصحي ترجمتُ المعلقات السبع. وكانت إعادة خلق هذه النصوص في التركية، وهي نصوص يجد حتى العرب اليوم صعوبة في فهمها، تجربة مختلفة بالنسبة إليّ. وكانت أيضاً مناسبة لأدرك كم أن الشعر العربي قبل الإسلام حقل بِكر لم يُستكشف بعد. ومن جهة أخرى أُعدّ أنطولوجيا غنية جداً للقصة السورية. وكثير من الأعمال المؤلفة والمترجمة التي تنتظر الاكتمال تنتظر مني عناية خاصة.
نُشر الحوار بالتركية في مجلة «ثابت فكر» (Sabitfikir)، العدد 115، سبتمبر 2020، وتُرجم إلى العربية لهذا الموقع.
النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية. · المصدر الأصلي ↗