حاوره: صبري غورسس
ربما تكون ترجمة الشعر من أهم حقول الترجمة التي تربط البشرية بعضها ببعض. هل تتذكّر أول قصيدة مترجمة قرأتها؟
كتاب «النبي» لجبران خليل جبران بترجمة آيتونتش آلتين دال. كان الكتاب يضم نصوصاً نثرية، وقرأته من دون أن أعرف أنه شعر. ولم أعرف أن النص قصيدة نثر إلا بعد وقت طويل، بعد أن ألفتُ النص الأصلي. وقد ازدادت قراءاتي للشعر المترجم بعد أن بدأت أقرأ الكتب النظرية في نظريات الأدب ونقد الشعر. وبعدها بدأت أقرأ بودلير ورامبو وت. س. إليوت.
لا نريد أن نوجّه الجواب، لكن هل يكون شعر بلا ترجمة؟ هل ترى أن الشعر ينبغي أن يتغذّى من الترجمات؟
إذا صنّفنا الترجمة، كما فعل رومان ياكوبسون، إلى ترجمة داخل اللغة الواحدة، وترجمة بين اللغات، وترجمة بين أنظمة العلامات، نكون قد وسّعنا القيمة الدلالية التي نحمّلها لعملية الترجمة. فإذا تذكّرنا أن الشعراء يخلقون أصواتهم ويطوّرونها بقراءة شعراء وكتّاب آخرين، أمكن عدّ الشعر غير المترجم أيضاً ترجمةً بالمعنى الواسع. وإذن، فحين ننقل إلى لغة أخرى قصيدة هي في الأصل «ترجمة»، يكون النص الذي ننشئه ترجمةً للترجمة. ومن جهة أخرى، فإن الشعر الذي لا يتغذّى من الترجمة بين اللغات قد يكرّر نفسه بعد حين؛ فإذا لم يخرج عن الحدود التي يعرفها، ولم تُتح له فرصة التعرف إلى أصوات شعرية وأشكال وموضوعات مختلفة، لم ينل فرصة تجاوز نفسه وتجاوز المعطى. وهذا يؤدي إلى التعثّر والمراوحة في المكان شعرياً. وإذا نظرنا إلى مراحل الأدب التركي رأينا في خلفيتها جميعاً التفاعل مع شعر «الآخر». فلو لم يتغذَّ أدب الديوان من الشعر الفارسي والعربي، ومن نزعتهما الصوفية أحياناً، لما أمكننا الحديث عن أدب ديوانٍ كما وصل إلينا اليوم. وهل يمكن القول إن انفتاحات يحيى كمال وأحمد هاشم «الكلاسيكية الجديدة»، ثم بحوث حركتي «غريب» و«الجديد الثاني»، لم تتطور تحت تأثير الشعر الغربي؟ لذلك تملك الترجمة القدرة على تكوين قانون الشعر في لغة ما وتشكيله وتطويره. ولا يُنتظر من أدب بلا ترجمة أن يوسّع حدوده، فضلاً عن أن يتجاوزها.
أنت تكتب الشعر أيضاً، أليس كذلك؟ وإن لم تكن تكتبه، ففي الأسرة شاعرة هي ألتشين سفغي سوتشين؛ هل تؤثّر لغتها الشعرية في ترجماتك، أو هل أثّرت فيها؟
لستُ ابن أسرة تعنى بالأدب، لذلك تأخّر لقائي بدواوين الشعر إذا استثنينا ما قرأناه في المناهج الدراسية. لكن اللافت أنه كان لي في سنوات المدرسة الثانوية دفتر شعر أبثّه ما في نفسي. أتذكّر أنني كنت أكتب قصائد في الحب والإنسان والعدالة. وحين أفكر الآن في تلك النصوص أدرك أنني كنت أعبّر عن أحاسيسي كما يفعل كثير من الشبّان في تلك السن. وفي سنوات دراستي للغة العربية وآدابها كنت أترجم الشعر أحياناً. ففي السنة الثالثة من الليسانس كانت لي محاولات لنقل امرئ القيس من شعراء ما قبل الإسلام، وأدونيس من الشعراء المعاصرين، إلى التركية، وما زلت أحتفظ بها. لكن قراءتي الحقيقية للشعر بدأت حين بدأت زوجتي ألتشين سفغي تكتب الشعر، لأنني كنت القارئ الأول والناقد الأول لكل نص من نصوصها. وفي هذه المرحلة شهدتُ أيضاً مسار كتابة شاعرٍ للقصيدة، فطوّر ذلك نظرتي إلى قراءة الشعر تطويراً إيجابياً. وصارت ألتشين سفغي بدورها القارئة الأولى لترجماتي. والتصحيحات التي تقترحها بحسّ الشاعرة وعينها أتاحت لي، ولا سيما في ترجماتي الشعرية، أن أتطوّر لغةً وإحساساً.
من آخر أعمالك قصائد المتنبي، شاعر القرن العاشر. أليست هذه أول مرة يُترجم فيها شعر المتنبي إلى التركية؟ هل تُرجم في العهد العثماني، وهل أثّر في شعرائنا وشعرنا؟
المتنبي «حدثٌ أدبي» في تاريخ الأدب العربي، وما زال أثره في الشعر العربي مستمراً. وأثره في الشعراء الإيرانيين، وفي مقدمتهم سعدي، معروف، ويمتد أثر شعره حتى الشعراء الذين كتبوا بالعبرية في الأندلس. وليس من الصعب ملاحظة تأثيره في نفعي وباقي من شعرائنا. وفي العام الماضي دُعيتُ مع زميلي الألماني شتيفان فايدنر إلى المملكة العربية السعودية للحديث عن أثر المتنبي في الشعر خارج الجغرافيا العربية. وهناك، حين كنت أقرأ بضع قصائد ترجمتها إلى العربية من الشاعر نفعي، كان بين الحضور من قال: «نعم، هذا هو المتنبي!».
أما مسألة عدم ترجمته، فقد كان كثير من الشعراء في العهد العثماني ثلاثيي اللغة، يعرفون التركية والفارسية والعربية، ولبعضهم دواوين باللغات الثلاث. لذلك لم تكن هناك على الأرجح حاجة إلى الترجمة. وفي العهد العثماني قصيدتان تُرجمتا من العربية إلى التركية العثمانية، لكن من الصعب جداً تسميتهما ترجمة؛ فقد تُرجم البيت ذو الشطرين نصاً بحجم فقرة، وجاءت الترجمة أقرب إلى الشرح منها إلى الترجمة. لذلك فإن ترجمتي هي الأولى بمعنى أنها ترجمة بحقّ.
في التعريف بالكتاب يقول المتنبي بترجمتك: «مَلاعبُ جِنّةٍ لو سار فيها / سليمانٌ لسار بتُرجمانِ». هذا الاقتباس، الذي يلمّح إلى أن الترجمة ضرورية حتى لسيدنا سليمان، يؤكد ضرورة الترجمة تأكيداً جميلاً. وحين قرأته تخيّلتُ الجنّ آلات ترجمة. فما رأيك: في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن نسمّيه «ملاعب الجنّ»، هل تستطيع الآلات أيضاً أن تترجم الشعر؟ وهل يمكن لترجمة كهذه أن تحلّ محلّ مترجم حقيقي؟
قبل الدخول في سياق القصيدة، أستطيع القول جواباً عن سؤالك إن عجز سليمان عليه السلام، وهو العارف حتى بلغة الطير، عن التجوال في «ملاعب الجنّ» من دون ترجمان، يشير إلى أن الترجمة والمترجم لا غنى عنهما. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يترجم على نحو يضمن مقروئية النص إلى حدّ ما، انطلاقاً من المعطيات المادية للغة. وسنعرف أكثر عن مدى نجاحه في ذلك من نتائج المشروع الذي تديره مع الأستاذ محمد شاهين. ومع ذلك أتوقع أن تقع انحرافات في هذه الترجمات. لكن لا يُنتظر منه أن يدرك التفاصيل الدقيقة التي تجعل الشعر شعراً وأن يعكسها، كسياق القصيدة وعاطفتها، وتلقّي ذاتية الشاعر مع القصيدة وترجمتها. أما استعمال كلمة «ترجمان» في سياق القصيدة فمرتبط بالمرحلة التي دُعي فيها الشاعر إلى بلاد فارس بعد تجربته السيئة في البلاط المصري. ففي قصيدته التي يصف فيها شِعب بوّان يُغرِّب الشاعر البيئة الفارسية ببراعة بهذا القول، عبر التقابل بين العربي والفارسي. والقصيدة هي:
مَغاني الشِّعبِ طِيباً في المَغاني / بمَنزِلةِ الرّبيعِ منَ الزّمانِ
ولكنّ الفتى العربيَّ فيها / غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ
مَلاعبُ جِنّةٍ لو سار فيها / سليمانٌ لسار بتُرجمانِ
(المتنبي، «أغنية الإنسان»، ص 181)
إن إبراز غيرية الفرس ولغتهم في مقامٍ يُنتظر فيه من الشاعر أن يكتب مديحاً موقفٌ جريء جداً. وترد كلمة «ترجمان» في ديوان المتنبي أيضاً في القصيدة التي يصف فيها معركة الحدث الحمراء التي أدّت دوراً استراتيجياً في الحروب العربية البيزنطية. ويُعتقد أن هذا الموضع قريب من بازارجق التابعة لقهرمان مرعش. وفي هذه القصيدة أيضاً ترد «التراجم» على هذا النحو:
أتَوكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كأنّما / سَرَوا بجِيادٍ ما لَهُنّ قَوائمُ
خَميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زَحْفُهُ / وفي أُذُنِ الجَوزاءِ منهُ زَمازِمُ
تَجَمّعَ فيهِ كلُّ لِسْنٍ وأُمّةٍ / فَما يُفْهِمُ الحُدّاثَ إلّا التّراجِمُ
(المتنبي، «أغنية الإنسان»، ص 147)
الكارثة التي تعيشها فلسطين واضحة للعيان. لذلك نُهدي يوم الشعر هذا إلى شعراء قُتلوا في القصف الإسرائيلي وسمعنا بموتهم عبر الإنترنت، مثل رفعت العرعير وسليم النفار وهبة كمال أبو ندى. لقد عرفنا الألم الذي لا ينتهي لهذا الشعب الصامد دائماً بالشعر وبترجمات الشعر. وأنت كثيراً ما تقول إنهم أقوياء في الحقول الأدبية الأخرى أيضاً، لكن هل يمكن أن يكون الشعر هو اللغة الحقيقية لهذا الشعب المقتلَع من أرضه والمُعرَّض للإبادة؟
يبدو لي الشعر أول شكل أدبي عبّر به الإنسان عن نفسه، لأنه يقوم على تقليد شفوي. وهذه الخاصية تتيح انتقال الشعر وحفظه من جيل إلى جيل. أما النثر فليس كذلك؛ إذ يحتاج إلى الكتابة كي يُحفظ. لذلك يقوم الإرث الأدبي لكثير من الأمم على الشعر. وعند العرب قول شائع: «الشعر ديوان العرب». و«الديوان» هنا يحمل معاني السجلّ والأرشيف والقانون والموسوعة والمخزون المعرفي والمنصّة الثقافية. لذلك، وإن تُرجمت الفلسفة اليونانية القديمة إلى العربية، فإن الشعر لم يُترجم. ومن الممكن طبعاً أن يُعدّ نوعٌ بهذه المركزية أداةَ التعبير الأولى.
بماذا تنصح مترجم الشعر الشاب، وماذا تقترح على قارئ الشعر المترجم؟
نصائحي للمترجمين الشباب:
– حاولوا أن تفهموا تقاليد الشعر في اللغة المصدر واللغة الهدف والمراحل التي مرّت بها، من خلال الأمثلة.
– لا تستعجلوا ترجمة دواوين كاملة. اعرضوا ترجماتكم أولاً على أناس ذوي ذائقة شعرية متطورة، وخذوا آراءهم، ثم أرسلوها بعد ذلك إلى المجلات.
– ليكن ما هو شعرٌ في اللغة المصدر مقروءاً بوصفه شعراً في اللغة الهدف أيضاً. ابحثوا عن صوت الشاعر الذي تترجمونه في تلك القصيدة، وحاولوا أن تنقلوا «ذلك الصوت» و«ذلك الأسلوب» إلى اللغة الهدف.
– أدركوا أنكم تستطيعون إطلاق إبداعكم في إطار إبداع شاعر اللغة المصدر.
– ترجمة الشعر إدارة دائمة للربح والخسارة؛ فالربح المفرط والخسارة المفرطة كلاهما يقود إلى الإخفاق، ومهارة المترجم أن يقيم توازناً جيداً بينهما.
أما نصائحي لقارئ الشعر:
– لا تنتظروا، وأنتم تقرؤون ترجمات الشعر، نصوصاً تبدو كأنها «كُتبت بالتركية». هل تستطيعون فهم إجه أيهان وأديب جانسفر من دون جهد؟ إن كان الجواب لا، فإن السعي إلى نصّ «غريب» في أرضه هو أيضاً من مقتضيات كرم الضيافة.
– إن كنتم قرّاء تريدون كتابة الشعر، فلن تفهموا الشعر الجيد، بل لن تفهموا ما الشعر، بقراءة شعر ثقافة واحدة فقط، وستجدون بطبيعة الحال صعوبة في العثور على أصواتكم. أما قراءة قصائد من ثقافات وجغرافيات مختلفة فقد تفتح لكم أبواب إبداعات مختلفة كل الاختلاف. افتحوا أبوابكم ونوافذكم على مصاريعها لـ«الآخر»، لكن لا تصيروا مثله.
– قد تُفسد الترجمات الرديئة ذائقتكم الشعرية، لذلك دوّنوا أسماء المترجمين الذين تثقون بمهارتهم في الترجمة.
وبهذه المناسبة أهنّئ باليوم العالمي للشعر الذي أعلنته اليونسكو، وأتمنى أن يظل شعر العالم دائماً على قدرٍ من الحيوية يتجاوز به نفسه.
نشكر الأستاذ محمد حقي سوتشين على إسهامه في مدوّنتنا بعالم الشعر والترجمة.
نُشر الحوار بالتركية على الموقع الإلكتروني لجمعية الترجمة (Çeviri Derneği) في 21 مارس/آذار 2024، وتُرجم إلى العربية لهذا الموقع.
النص متاح أيضاً بالتركية والإنجليزية. · المصدر الأصلي ↗