حيدر أرغولان
نجمان صعدا من الشعر العربي إلى سماء الشعر، محمود درويش وأدونيس، أمامنا من جديد بكتابيهما المترجمين لأول مرة: (لماذا تركت الحصان وحيدًا) و (احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة.
نجمان صعدا من الشعر العربي إلى سماء الشعر، ورفعا سماء الشعر: محمود درويش وأدونيس. أتذكّر الأول دائمًا مع إدوارد سعيد، ومع فيلم جان لوك غودار «موسيقانا» (Notre Musique) أيضًا. يروي هذا الفيلم الذي صُوّر عام 2004 وحشية الحرب، وتلخّصه جملة: «لا من أجل الحرب معي… لو وُجد شخص واحد فقط يريد أن يموت من أجل السلام لشعرت بسعادة عظيمة». كان المخرج الشهير في الرابعة والسبعين من عمره ذلك العام، وصوّر الفيلم بعد رحلاته إلى سراييفو. ومن بين الشخصيات الحقيقية في «موسيقانا» الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو الذي أحبه كثيرًا وأتيحت لي فرصة التعرّف إليه. وفي الفيلم، وهو يروي لصحفية إسرائيلية دراما بلده فلسطين ومأساتها، يقول درويش كلمات تُدقّ في القلوب، ومعناها: إن في الهزيمة من الإلهام والدراما الإنسانية أكثر مما في النصر، وإنه لو كان من جهة المنتصرين لأراد أن يشارك في تضامن الضحايا… «لقد منحتمونا الهزيمة والوعي». ودرويش، بوصفه ابن فلسطين الشاعر الكبير، وواحدًا من مؤسسي هويتها الوطنية، هو أيضًا الشاعر الرائد لشعر المقاومة.
الريادة. مفهوم يكاد يكون مرادفًا له. وهو يتضمّن أيضًا الهدم وإعادة البناء، أي ترك ما اكتمل جانبًا والتوجّه نحو المجهول أو الجديد. ويُعَدّ محمود درويش إدوارد سعيد الشعر الفلسطيني والعربي. فكما كان سعيد مفكّرًا يعمل بمسؤولية المثقف وضميره، فإن درويش شاعر كبير يجمع بين الشعري والسياسي، ويواصل السياسي في الشعري. وعاش درويش في أراضٍ أخرى، باحثًا عن وطنه ومشتاقًا إليه كشاعر يبحث عن طفولته، المنفى الذي عاشه ناظم حكمت في السجون.
كتب درويش، بلغة شعرية فريدة تأثّرت بالشعر العالمي والأساطير والكتب المقدسة بقدر ما تأثّرت بالشعر العربي، شعرًا غنيّ المضمون ممتع القراءة، سيجد معناه وصداه ويحافظ على طراوته بأي لغة قيل. وأنا أشبّه درويش بشاعر أحبّه، لوركا، من حيث شعره الغني الملوّن الدافئ. وكما يقول محمد حقي سوتشين، الذي نقل إلى التركية كتابه السِّيَري الأول «لماذا تركت الحصان وحيدًا» بكفاءة تليق بشعر درويش، فإن «عالم كلمات» درويش «غني بقدر غنى عالم مشاعره. وهو يستعمل لغة متّقدة حيّة». وسيقول درويش، في إشارة إلى قصيدته الشهيرة «بطاقة هوية» التي تبدأ بسطر «سجّل! أنا عربي»، إنه قاوم هذا «السجن الجذاب» وواصل كتابة قصائد أكثر «صعوبة». وهذا يُعَدّ أيضًا مواصلةً لشعر المقاومة بالمقاومة في الشعر الصعب.
كتاب درويش «لماذا تركت الحصان وحيدًا» الصادر عام 1995 سيرة بيوت، من البيت الذي وُلد فيه في الوطن إلى البيوت التي عاش فيها في المنفى. ويرد عنوان الكتاب اللافت المثير للقشعريرة في حوار بين الأب والابن في قصيدة «أبد الصبّار»:
«– لماذا تركتَ الحصان وحيدًا؟
– لكي يُؤنس البيت، يا ولدي،
فالبيوت تموت إذا غاب سكّانها…»
كثيرًا ما تحزن لأنك لا تستطيع أن تقرأ شاعرًا معروفًا بعظمته بلغته، أو لأن الترجمات التي تقرؤها لا تُشعرك بعظمته. وكما فعل كتاب «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي» (يابي كريدي، 2015) الذي ترجمه من قبل عن درويش، فإن الترجمة الجديدة لمحمد حقي سوتشين، الذي ترجم أيضًا شعراء عربًا مثل جبران وبنيس وقباني، تعرّفني، بمعنى ما، لأول مرة إلى شعر محمود درويش المهيب.
وكذلك ترجمة سوتشين لأدونيس التي قرأتها، «احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة». ومن المفارقة أن إدوارد سعيد يقول عن أدونيس، الذي يقال إنه «تقويم جديد للشعر العربي»، إنه «أجرأ شعراء العرب اليوم وأكثرهم استفزازًا». ويُشعر الحضور القوي لـ«الإيروسية» في قصائد درويش وأدونيس بنفسه روحًا «علمانية» تستولي على جسد القصيدة. ونظرة أدونيس «العلمانية» إلى المقدّس والعالم والتصوف جريئة ومستفزة بما يكفي. وأظن أن ذلك سيُفهم على نحو أفضل لو تُرجم إلى التركية أيضًا كتابه عن العلمانية، الذي نُشر جزء منه في مجلة «L’Express».
يضم كتاب أدونيس «احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة»، المكتوب بين 1988 و2014، قصائد مكتوبة للإنسان والطبيعة والحياة والموت والواقع، ولثلاثة شعراء عرب، ولبيروت. أشياء قصيرة جدًّا. ومضات. بروق. رباعيات ناقصة. أشياء قيلت. حكمة ونقيض الحكمة. تجارب. اكتشافات. ذكريات الماضي والمستقبل. طوابع. أجنحة. أقراط. شكوك. لايقينيات. أحلام. أفكار. عاديات. سموّ. قصيرات. زبديات. سكينات. وفي قصيدة «رسائل»، وهي أطول قصائد الكتاب وعلّة الشعر فيه، يقول أدونيس ما معناه إن الكتابة شهوة الموت في داخلها، ويواصل: الكتابة سؤال دائم، شكل آخر للموت، ثم يسأل: ألهذا أنت دائمًا نفسك وغيرك في آن؟
قصائد مدهشة. لم أكن أعرف أن أدونيس يكتب بالتركية! سلمت لغتك يا محمد حقي سوتشين.
لماذا تركت الحصان وحيدًا؟
محمود درويش
ترجمة: محمد حقي سوتشين
منشورات أيرنتي، 2017
160 صفحة.
احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة
أدونيس
ترجمة: محمد حقي سوتشين
منشورات إيفرست، 2017
210 صفحات.
المصدر: «Hürriyet KitapSanat»، 1 كانون الأول/ديسمبر 2017، السنة 1، العدد 44. تُرجم من التركية إلى العربية لهذا الموقع.
النص متاح على الموقع بالتركية والإنجليزية.